مقالات عامة

(مَعَالِمُ قَوْمٍ عَادَ واثارهم شَامِخَةً فِي سَمَاءِ الْعَارِضَةِ)

تتميز محافظة العارضة بتباين تضاريسي جغرافي واضح ، وقد أسهم هذا التباين إلى وجود أنواع عديدة من الموارد المعيشية ، ومصادر المواد الخام الطبيعية . كان لهذه العوامل الأثر البارز في جعل المحافظة تزخر بموروث تاريخي قديم ، حيث تنوعت فيها مفردات التراث والتاريخ منذ عهود مضت ، وحافظت على هذه المفردات ، متمسكة بعراقة الماضي التليد كأحد ملامح الاهتمام بالحاضر المشرق بهذه المنظومة الشاملة من التاريخ والتراث في المحافظة ، وما زالت شواهد ذلك التراث والتاريخ والقلاع والحصون قائمة ، تشهد على عظمة تلك الأجيال ودليلاً واضحاً على وجود إستيطان بشري قديم . لعل أبرز ما يدل على ذلك وجود بعض الآثار والمعالم ومنها على سبيل المثال تلك التي تنسب لقوم عاد ، وهم من الأقوام التي اشتهرت بالقوة الجسمانية وارتفاع طول قامتهم، مما جعلهم يبنون الكثير من القلاع الضخمة والمباني العملاقة التي لم يُسبق لها مثيل في ذلك الوقت ، و وبالرجوع لآيات القران الكريم نجد أن الله قد وصف هؤلاء القوم أنهم كانوا يبنون في كل مكان مشرف من الأرض مرتفع أو طريق أو واد ، بنياناً محكماً هائلا باهراً حتى يكون معلماً مشهورا ، ولهذا قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ (الشعراء الآية : 128 ) يقول ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية : ” أي وإنما تفعلون ذلك عبثاً لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم عليه السلام ذلك لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة (تفسير ابن جرير الطبري 9/ 459)” ا.هــ .

وقد كانوا يعبدون الأصنام إلى أن جاءهم رسول الله هود ودعاهم لتوحيد الخالق والابتعاد عن ما هم فيه من كفر وعبادة للأصنام، فاستكبروا على دعوة الله ولم يستجيبوا لنبيه، فأرسل الله لهم رياحاً قوية أخفتهم عن وجه الأرض وأبقت القليل من مساكنهم ومبانيهم، قال الله تعالى :”فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنهم”.

ومن هذه الآثار والمعالم التي تنسب لهؤلاء القوم : صخرة عاد (عادي) : وهي صخرة تقع في جبال العبادل في حدود قبيلة الأيتام (القفرة) التابعة لمحافظة العارضة في موضع يقال له معتق الشاب وهي صخرة كبيرة مرتفعة على شكل عمود في أعلى قمة الجبل من الجهة الشرقية وهي على هيئة إنسان واقف ، ويطلق عليها السكان المحليون صخرة عاد أو عادي جاء في المعجم الوسيط العَادِيُّ : العتيق . يقال مجدّ عادّ ، وبئرٌ عاديّة [ كأنه منسوبٌ إلى عادٍ قوم هود ] ، وجاء في لسان العرب لأبن منظور يقال للأمر القديم البائد : عاديّ , نسبة إلى ” عاد ” في القدم ، ويبلغ ارتفاع هذه الصخرة تقريباً 10م ، و عرضها من 2-3 م وتعتبر هذه الصخرة معلماً بارزاً يشد الانتباه وتنسب إلى قوم عاد الوارد ذكرهم في القران الكريم ، وتدور حولها العديد من القصص والروايات ومن المعلوم ان القصص والروايات : تعتبر من مصادر البحث التاريخي ( وفق المنهج التاريخي ) والتي تنتقل من السلف إلى الخلف عبر أجيال مختلفة .

المعلم الثاني مظلة عاد أو عادي : وهي عبارة عن صخرة كبيرة على شكل حرف (T) يشبهها السكان المحليون بالمظلة التي تستخدم قديما في جنوب الجزيرة العربية وهي شبيه بالقبعة المكسيكية وتقع هذه الصخرة في قمة الجبل المطل على قرية خطو السري في جبل سلا التابع لمحافظة العارضة تحكي القصص والروايات أنها مظلة عاد – سالف الذكر- حيث تقع إلى الجنوب من صخرة عاد التي تقع في جبال العبادل بحوالي 15 كم تقريباً.

كذلك يوجد معلم ثالث في جبل اللغوب العبادل وهو عبارة عن أدوات للحراثة كانت تستخدم قديما تسمى باللهجة المحلية ( الألبة ) و (الحلي) و(الرعوة) و(الساقة) يُحكى أنها أيضاً تعود لعاد – آنف الذكر- وهي إلى الجنوب من صخرة عاد . و عندما يتأمل الإنسان هذه المعالم والآثار يتضح له أنها ليست بفعل العوامل الطبيعية من نحت وتعرية وغيرها ، وإنما وضُعت وشُيدت بضوابط هندسية محكمة تدل على أنه بفعل فاعل . لذلك لا غرابة ان تكون هذه المعالم والآثار العظيمة والعجيبة في هذه الجبال تعود إلى قوم عاد الذين وصفهم الله أنهم كانوا يبنون في كل مكان مرتفع بناء، حتى يكون علامة لهم. وأن ما يُحكى عنها من أخبار تتناقله الأجيال جيل بعد جيل حقيقة و ليست مجرد أساطير ، خاصة أن هناك بعض الباحثين في علم الآثار اكتشفوا قبوراً تاريخية كانت قد حفظت في داخل غرف في صخور يزيد عمرها على أكثر من 3 آلاف عام وآثار أقدام لديناصورات ومكان عبور ناقة النبي صالح عليه السلام في جبل ” القهر ” الذي يقع على بعد 130 كلم شمال شرق منطقة جازان (جنوب السعودية) وهو من الجبال التي لا تبعد كثيرا عن جبال العارضة ([1]).

تقول الآيات أن قوم عاد هم القوم الذين بعث إليهم الله نبيه هود عليه السلام ، وهو أحد أفراد قوم عاد ، وهم في الترتيب القرآني قوم أتوا بعد قوم نوح كما تقول الآيات الكريمة في سورة الأعراف وسورة الشعراء وسورة هود، وقد ذكر ذلك صراحة في الآية الكريمة: ” أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (سورة الأعراف الاية69) ، فهم قوم استخلفهم الله في الأرض بعد قوم نوح ليعبدوه ويصلحوا الأرض .

والحقيقة ان المتأمل لهذه الصخور وغيرها في هذه الجبال يلحظ عليها آثار وتغيرات وكأنها كانت مغمورة تحت الماء قبل الآف السنين فلعلها من بقايا آثار طوفان نوح عليه السلام خاصة إذا علمنا أن طوفان نوح شمل جميع الأرض سهلها وجبلها دون استثناء فقد قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا ، وهو الذي عند أهل الكتاب ، وقيل : ثمانين ذراعا ، وعَمَّ جميع الأرض طولها والعرض ، سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف ، ولا صغير ولا كبير .قال الإمام مالك عن زيد بن أسلم : كان أهل ذلك الزمان قد ملؤوا السهل والجبل.

فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام . قال تعالى : (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة ، وهم : سام وحام ويافث” انتهى باختصار .”البداية والنهاية” (1/111-114). وأما عن مسكن قوم عاد فقد سكنوا الأحقاف، قال تعالى: “وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ” (سورة الأحقاف الآية 21)”، والأحقاف جمع حقف وهي ما استطال واعوج من الرمل العظيم ولا يبلغ أن يكون جبلا، هكذا فسرها الماوردي في كتابه تفسير النكت والعيون. ويجمع معظم المفسرين على أن موقع الأحقاف بين اليمن وعُمان، أي في الجزء الجنوبي من الربع الخالي . يقول بعض الباحثين وبعد تتبع آثار قوم عاد في شبه الجزيرة العربية يبدوا أن النبي هود قد هاجر إلى أرض جنوب الجزيرة العربية [مثل نجران وجيزان واليمن ] لهداية قوم عاد الذين ضلوا عن السبيل ، وبعد أن كفر قوم عاد برسالة هود ، هاجر هود ومن معه من المؤمنين إلى الشام ومات هناك ، وبحسب علماء الآثار أن النبي هود ومن معه تركوا في طريق هجرتهم العديد من الآثار التي تدل على أنهم مرّوا من هناك ، أو عاشوا هناك يوماً من الأيام ، فقد عُثر في بعض مُدن شمال المملكة العربية السعودية وتحديداً في مدينة حائل التي تبعد عن الأردن حوالي 600كم آثار تعود لقوم عاد مما يدل على أن قوم عاد مرّوا فيها بطريق الهجرة إلى الشام أو استقروا فيها فترة من الزمن ، وبعد ذلك نسب قوم عاد إلى مدينتهم ” إرم” فأصبح يطلق عليهم الآرميين ، واستقروا في ” دمشق” ونسبوها لهم فأصبح إسمها ” آرام دمشق ” نسبة إليهم الآرميين ، ويعتقد العديد من الباحثين أن الآرميين هم في الأصل من قبيلة عاد الثانية التي نجت من العذاب وقد استنتجوا هذا الاعتقاد لأن القران ذكر قبيلة عاد الأولى حيث ورد في سورة ” النجم” ” وأنه أهلك عاداً الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ” وبما أن هناك قبيلة أولى فهناك بالتأكيد نقيض للأولى وهي القبيلة الأخيرة أو القبيلة الثانية (معبد الغموض ياسين عبد الكريم 6/11/2015م.) . هذا والله جل وعلا أعلم .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى